الفيض الكاشاني
193
المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء
فراخ الهام ، وسطوته وقلوب الشجعان واجفة ، واستقراره وأقدام الأبطال راجفة ، ونجدته عند انخلاع القلوب من الصّدور ، وبسالته ورحى الحرب تدور والدّماء تفور ونجوم الأسنّة تطلع وتغور ، وحماسته والموت قد كشر عن نابه [ 1 ] وسماحته بنفسه ، والجبان قد انقلب على أعقابه ، وكشفه الكرب عن وجه رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقد فرّ من فرّ من أصحابه ، وبذله روحه العزيزة رجاء ما أعدّ اللَّه من ثوابه ، فهي أمر قد اشتهر وحال قد بان وظهر وشاع ، فعرفه من بقي ومن غبر ، وتضمّنته الأخبار والسير ، فاستوى في العلم به العبيد والقريب ، واتّفق على الإقرار به البغيض والحبيب ، وصدّق به عند ذكره الأجنبي والنسيب ، فارس الإسلام وأسده ، وباني ركن الإيمان ومشيّده ، طلاع الأنجد والأغوار [ 2 ] ومفرّق جموع الكفّار ، حاصد خضرائهم بذي الفقار ، ومخرجهم من ديارهم إلى المفاوز والقفار ، مضيف الطير والسباع يوم الملحمة والقراع ، سيف اللَّه الماضي ، ونائبه المتقاضي ، وآيته الواضحة ، وبيّنته اللايحة ، وحجّته الصّادعة ، ورحمته الجامعة ، ونعمته الواسعة ، ونقمته الوازعة ، قد شهدت بدر بمقامه ، وكانت حنين من بعض أيّامه ، وسل أحدا عن فعل قناته وحسامه ، ويوم خيبر إذ فتح اللَّه على يديه ، ويوم الخندق إذ خرّ عمرو لفمه ويديه ، وهذه جمل لها تفصيل وبيان ، ومقامات رضي بها الرّحمن ، ومواطن هدّت الشرك وزلزلته وحملته على حكم الصغار وأنزلته ، ومواقف كان فيها جبرئيل يساعده وميكائيل يؤازره ويعاضده ، واللَّه يمدّه بعناياته ، والرّسول يتبعه بصالح دعواته ، وقلب الإسلام يرجف عليه ، وأمداد التأييد تصل إليه . نقلت من مسند أحمد بن حنبل عن هبيرة قال : خطبنا الحسن بن عليّ عليهما السّلام فقال : « لقد فارقكم بالأمس رجل لم يسبقه الأوّلون بعلم ولم يدركه الآخرون بعمل ، كان رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يبعثه بالراية جبرئيل عن يمينه وميكائيل عن شماله ، لا
--> [ 1 ] الواجفة : المضطرة ، والراجفة : المتزلزلة . النجدة : الشدة والبأس ، والبسالة : الشجاعة . والكشر : الكشف ، وكشر عن نابه أي كشف عن أسنانه . [ 2 ] الانجدة ما أشرف من الأرض وارتفع يقال : هو طلاع أنجد وأنجدة ونجاد وطلاع النجاد أي ضابط للأمور يذلل المصاعب .